محمد جواد مغنية
707
عقليات إسلامية
ومنها قاعدة الأقرب فالأقرب : اعتمد الصادق على هذا المبدأ في الإرث فجعل الأولاد والآباء أولى بالإرث من الاخوة والأجداد ، والاخوة أولى من الأعمام والأخوال . فمتى وجد واحد من المرتبة المتقدمة حجب عن الإرث كل من كان في المرتبة المتأخرة ، فالبنت تحجب عمها ، كما يحجبه الابن من غير فرق . واعتمد على هذا المبدأ أيضا في النفقات قال : « ان أفضل ما ينفقه الانسان على نفسه وعياله ، ثم على والديه ، ثم الثالثة على القرابة والاخوان ثم الرابعة على الجيران الفقراء ، ثم الخامسة في سبيل اللّه ، وهو أخسها اجرا . » إن هذه المباديء التي ذكرناها بقصد التمثيل لا بقصد الحصر ، يسري أكثرها في الأمور المدنية كالبيع والإجارة ، وما إليها من الموجبات والعقود ، وفي الأمور الجنائية كالقتل والسرقة ، وفي الأحوال الشخصية كالزواج والوصايا ، وفي جميع المعاهدات والالتزامات . وهي تمثل لنا روح التشريع في احكام الإمام الصادق ، ومذهبه في الفقه الذي استمدّه من واقع الحياة ، من كرامة الإنسان وحريته وحاجاته ومصالحه ، لا من الظنّ والخيال ، ولا من أهواء السلطات ، وشهوات المحتكرين . ان الحرية والمساواة وصيانة حقوق الانسان واحترام ذمته ، وما إلى ذلك هي المدارك الصحيحة للفقه عند الإمام الصادق ، وما الكتاب والسنة الا تعبير صادق ولسان ناطق لهذه المبادئ . وهذا ما أراده الصادق حين قال للشيعة : لا تقبلوا علينا حديثا الّا ما وافق القرآن والسنة ، أو كان معه شاهد من أحاديثنا ، اي لا تقبلوا حديثا فيه شائبة الظلم والمحاباة . ان هذه النظرة إلى الفقه نتيجة طبيعية لتلك الثقافة الواسعة ، والعلم الغزير . بالكتاب والسنة وعلى مبدأ الإمام الصادق ، يجب على من يريد ان يفهم الفقه ان يعي المبادئ الانسانية قبل كل شيء . والا فهو أبعد ما يكون عن فقه الصادق وآيات اللّه ، وسنة الرسول ( ص ) .